الشيخ محمد الخضري بك
148
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشا فأرسل أبو سفيان وفدا « 1 » لقريظة يدعوهم للقتال غدا فأجابوا : إنّا لا يمكننا أن نقاتل في السبت وكان إرساله لهم ليلة السبت - ولم يصبنا ما أصابنا إلّا من التعدّي فيه ، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا ، وتذهبوا إلى بلادكم « 2 » ، فتحققت قريش وغطفان كلام نعيم بن مسعود ، وتفرّقت القلوب فخاف بعضهم بعضا . وكان عليه الصلاة والسلام قد ابتهل إلى اللّه الذي لا ملجأ إلّا إليه ودعاه بقوله : « اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم » « 3 » وقد أجاب اللّه دعاءه عليه الصلاة والسلام فأرسل على الأعداء ريحا باردة في ليلة مظلمة ، فخاف العرب أن تتفق اليهود مع المسلمين ويهجموا عليهم في الليلة المدلهمّة « 4 » فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح . ولمّا سمع عليه الصلاة والسلام الضوضاء في جيش العدو ، قال لأصحابه : لا بدّ من حادث . فمن منكم ينظر لنا القوم ؟ فسكتوا حتى كرّر ذلك ثلاثا . وكان فيهم حذيفة بن اليمان ، فقال عليه الصلاة والسلام : تسمع صوتي منذ الليلة ولا تجيب ! فقال : يا رسول اللّه البرد شديد ، فقال : اذهب في حاجة رسول اللّه واكشف لنا خبر القوم فخاطر رضى اللّه عنه بنفسه في خدمة نبيّه حتى اطّلع على جليّة الخبر ، وأن الأعداء عازمون على الرحلة « 5 » . هزيمة الأحزاب وقد بلغ من خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم : ليتعرّف كلّ منكم أخاه ، وليمسك بيده حذرا من أن يدخل بينكم عدو ، وقد حلّ عقال بعيره يريد أن يبدأ بالرحيل ، فقال له صفوان بن أمية : إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي ، فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل ، وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور المرتحلين حتى لا يدهموا من ورائهم ، وأزاح اللّه عن المسلمين هذه الغمّة التي تحزّب فيها الأحزاب من عرب ويهود على المسلمين ، ولولا لطف اللّه وعنايته
--> ( 1 ) عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان . ( 2 ) رواه ابن إسحاق في المعنى . ( 3 ) ثبت في الصحيحين . ( 4 ) أدلهم الظلام إذا اشتد . ( 5 ) رواه مسلم في صحيحه عن يزيد عن أبيه وقد رواه الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل .